بالقمع.. لا يتخلى العاطلون عن مطالبهم!
ريبوار أحمد
بعد مضي 5 اشهر على سقوط نظام البعثي، يتسارع مسار انهيار المجتمع العراقي. ان الفقر والبطالة والغلاء يضيق الخناق على الملايين، اصبحت ادامة الحياة المزرية والبقاء المادي لملايين الاسر معضلة كبيرة. الاعتراضات الواسعة للعاطلين التي اجتاحت ساحات بغداد و المدن اخرى خلال الأشهر الماضية كانت جزءا صغيرا من القوة الواسعة للجماهير الجائعة. في ظل الاوضاع التي جاءت بها الحرب والهجوم العسكري الامريكي، لم يبقى للجماهير الغفيرة لا لقمة خبز و لا فرصة عمل، لقد اجبرهم جوعهم و فقر عوائلهم على الخروج الى الشوارع، لقد قام اتحاد العاطلين والحزب الشيوعي العمالي العراقي و خلال الاشهر المنصرمة بتنظيم و قيادة هذه الاحتجاجات، بيد إن الادارة المدنية الامريكية و اتباعها لا يشعرون بأي مسؤولية تجاه الجماهير الجائعة والعاطلة عن العمل، ليس هذا فحسب بل انهم لم يكتفوا باتخاذ سياسة المماطلة و لجأوا الى مختلف الاساليب التآمرية و القمعية في اعتقال و سجن القياديين و الفعالين العماليين.
هذه هي كل مسؤولية الادارة المدنية "الديمقراطية" الامريكية و "ممثلي" الطوائف و العشائر العراقية تجاه مسألة الجوع و المعيشة الصعبة للجماهير، هذا هو المعنى الحقيقي لتلك"الحرية" التي اتوا بها كهدية و نتيجة لـ"حرب تحرير العراق". لأشهر عديدة تتم سرقة ممتلكات هذا المجتمع بآلاف الوسائل من قبل العصابات المجازة، و لكن ادارة "الدولار" الامريكي لا ترى من حق ملايين العوائل المحرومون من قبلهم من العمل ان يدفع لهم ما يسد رمقهم و يوفر لهم ابسط الاحتياجات المعيشية. ان التفشي المتزايد و اليومي للفقر و تردي الاوضاع المعيشية، تخلق ظواهر تراجيدية مختلفة، فليس بأمكان القمع ان يحول دون نزول جيش الجياع الى الشوارع. لقد غمرت موجة جديدة من الاحتجاجات الجماهيرية للعاطلين في الاسبوع الماضي معظم مدن العراق، و قد تعاملت معهم الادارة "المدنية" الامريكية مجدداً بنفس المنطق أي عدم الاستجابة لمطاليبهم و قمع الاحتجاجات. و قد تحولت المظاهرات الاحتجاجية في بغداد و البصرة و عدد من المدن الاخرى الى صدامات و اطلاق النار على المتظاهرين، مما ادى الى قتل اثنان من المتظاهرين في بغداد و البصرة من قبل القوات الامريكية.
من الواضح ان الصحافة العميلة و اليمينية قد تناقلت الخبر بصيغة تجعل من المحتجين متهمين و مقصرين و ناكري "جميل" امريكا، و يبدو انه حتى المدعين بالتعاطف مع العاطلين عن العمل قد قبلوا بحكاية" اندساس عملاء البعث" في صفوف العاطلين اللذين حولوا المظاهرات الى مصادمات، مما ادى الى اطلاق النار من قبل قوات التحالف على المتظاهرين و قتلهم. لا يخفى على احد بأن هكذا تفسيرات ليست ذرائع واهية و فارغة لإسلوب تعامل قوات امريكا القمعية فحسب، بل انها تمثل و من الآن اعذار كاذبة و جاهزة لما يمكن ان تتعرض لها الاحتجاجات الجماهيرية في المستقبل من قمع دموي، من الممكن ان تتم قمع الاحتجاجات الجماهيرية بهذه المببرات كل ساعة.
بيد أن المسألة واضحة وضوح الشمس، هذه كلها دعايات واهية و مضللة، ان من تتموج احتجاجاتهم و ينزلون الى الشوارع هم الجماهير الجائعة و المطالبة بتامين معيشة عوائلهم و ليس أي شيء آخر. و إن من يدفع بالاوضاع الى المزيد من التعقيد هو التعامل اللا مسؤول للإدارة المدنية الامريكية قبل أن يكونوا البعثيين المندسين و مؤامراتهم. انها نتيجة لسياسة اللامبالاة لأوضاع حياة ومعيشة الملايين من المعدمين، نتيجة لإهمال المطاليب العادلة لمئات الآلاف من الذين تحول لديهم تأمين لقمة العيش إلى معضلة معقدة و نتيجة لمحاولة الإدارة المدنية إلى اعادة تلك الجماهير الغاضبة الى عوائلهم خاليي الوفاض. من الواضح انه حتى و إن لم تحاول بقايا البعث وغيرهم من الرجعيين الاصطياد في الماء العكر والسعي الى تحويل الاحتجاجات الى صدامات عنيفة، فأن الجماهير الجائعة نفسها تملك من الدوافع الحقيقية الكثير للغضب و عدم تحمل الجلوس الهاديء الى جوار موائد عوائلهم الخالية، اليوم أو غداً سينفجرون.
إن مطلب العاطلين عن العمل في تأمين حياتهم و كما حدد من قبل اتحاد العاطلين ،أي 100 دولار شهرياً هو مطلب اولي بسيط للملايين من جماهير العراق و يجب أن يستجاب اليها، و السبيل الوحيد لتحقيق هذا المطلب هو الاصرار و التواصل الدائم في النضال و توسيع الاحتجاجات الجماهيرية. إن اتحاد العاطلين و الحزب الشيوعي العمالي العراقي هما وسائل لتنظيم و قيادة ذلك النضال، فليحتشد جميع العاطلين و الجائعين حولهم.